الإستدامة البحرية بالكاريبي برؤية سعودية لمكاسب جيو إقتصادية عابرة للقارات
الإثنين 29 يونيو 2026
الإستدامة البحرية بالكاريبي برؤية سعودية لمكاسب “جيو إقتصادية” عابرة للقارات
في خطوة تجسد تنامي الدور الريادي للمملكة العربية السعودية على الساحة الدولية، أطلقت المملكة مؤخرا مشروع إستدامة النقل البحري الكاريبي بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية (IMO) مستهدفة دعم وتطوير البيئة التشريعية والمؤسسية لـ 14 دولة جزرية في منطقة الكاريبي. وبهذه المناسبة، قال،م.جاسم الشمري، سفير الصناعة السعودية، مؤسس منصة فكر إستراتيجيات للصناعة: رغم أن المبادرة تأخذ في ظاهرها طابعا تنمويا وبيئيا إلا أن القراءة الإستشرافية لأبعاد هذا المشروع تكشف عن أبعاد جيو- إقتصادية بالغة الأهمية تصب مباشرة في مصلحة تطوير بيئة الصناعة والتصدير الوطنية وتدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تنويع مصادر الدخل وزيادة حصة الصادرات غير النفطية. وتنطلق الأهمية الإستراتيجية لهذه المبادرة من كون منطقة الكاريبي تمثل العمق اللوجستي والبوابة البحرية الشرقية لقناة بنما وهي واحدة من أهم ممرات التجارة العالمية نحو أمريكا الشمالية والجنوبية، وتعتمد هذه الدول الجزرية بشكل شبه كامل على إستيراد السلع المصنعة، إلا أن تعقد الإجراءات البحرية وضعف البنية التشريعية فيها كان يشكل عائقا يرفع من كلفة الشحن والمخاطر وهنا تبرز الرؤية السعودية 2030. فبناء وتوحيد المنظومة القانونية والتشغيلية في تلك الموانئ، سيسهم في تحويلها إلى بيئات تشغيلية عالية الكفاءة وشفافة مما يمهد الطريق أمام المنتجات والصناعات السعودية لا سيما البتروكيماويات ومواد البناء، والسلع التحويلية الحاملة لشعار “صنع في السعودية” للنفاذ السلس والآمن إلى أسواق واعدة وبكر. علاوة على ذلك فإن تمكين ودعم الموانئ الكاريبية لتتوافق مع المعايير الدولية يحولها إلى محطات لوجستية ومراكز إعادة توزيع أكثر كفاءة. وهذا التحول الإستراتيجي سينعكس إيجابا على خفض تكاليف التأمين البحري وزمن الترانزيت للصادرات السعودية المتجهة إلى أسواق الأمريكيتين مما يمنح المنتج الوطني ميزة تنافسية سعرية إضافية في تلك الأسواق البعيدة جغرافيا والتي كانت كلفة اللوجستيات تمثل عائقا أمام غزوها. ولا تقتصر المكاسب الإستشرافية على تصدير السلع فحسب، بل تمتد لتشمل تصدير الخدمات والخبرات الرقمية، وقطعت المملكة شوطا هائلا في أتمتة الموانئ وتطوير التشريعات البحرية عبر الهيئة العامة للنقل. والمشروع الحالي الذي يمتد لسنتين ويركز على بناء القدرات، يفتح الباب على مصراعيه أمام الشركات والخبرات السعودية المتخصصة في الإستشارات البيئية وإدارة الموانئ والأنظمة التقنية البحرية لتسييل هذه المعرفة وتحويلها إلى منتج خدمي مصدر نحو الكاريبي. أما على الصعيد البيئي وهو المحور الأساسي للمبادرة فإن مساعدة دول الكاريبي على الإمتثال لمعايير الشحن الأخضر والتصديق على صكوك المنظمة البحرية الدولية يمثل خطوة إستباقية ذكية لحماية سلاسل الإمداد السعودية المستقبلية. ومع توجه المجتمع الدولي لفرض ضرائب كربونية صارمة على السفن والموانئ غير المتوافقة بيئيا، تضمن المملكة من خلال هذه المبادرة أن تظل قنواتها التصديرية نحو تلك المنطقة مفتوحة وحرة من القيود والغرامات البيئية المستجدة. وشدد الشمري: يمكن القول أن مشروع إستدامة النقل البحري الكاريبي ليس مجرد مساهمة دولية عابرة بل هو إستثمار بعيد المدى في مفهوم الدبلوماسية اللوجستية إنها صياغة ذكية لنفوذ تنظيمي دولي يخدم الناقل الوطني والشركات المصنعة على حد سواء ويؤكد أن السعودية لا تكتفي بكونها مركزا لوجستيا يربط القارات الثلاث بل غدت لاعبا رئيسا يسهم في رسم خارطة الملاحة البحرية العالمية وتأمين مستقبل الصادرات الوطنية. وكانت المملكة قد أطلقت بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية (IMO) مشروع “إستدامة النقل البحري الكاريبي” وذلك خلال الإجتماع الإقليمي الخامس لمديري ورؤساء الإدارات البحرية في جورجتاون غيانا، بهدف تطوير التشريعات والبيئة التنظيمية لدول منطقة الكاريبي، التي تتضمن 14 دولة مستفيدة من هذا المشروع. وسينفذ المشروع على مدى سنتين؛ بهدف تعزيز مواءمة السياسات، وبناء القدرات المؤسسية في الدول المشاركة، بما يمكنها من التصديق على صكوك المنظمة البحرية الدولية ذات الأولوية، ونقلها إلى تشريعاتها الوطنية، وإنفاذها بصورة فعالة إلى جانب المساعدة على صياغة القوانين البحرية وتحسين الإستراتيجيات الوطنية للسياسات البحرية بالتنسيق مع المكتب الإقليمي للمنظمة البحرية الدولية. وأكد المندوب الدائم للمملكة لدى المنظمة البحرية الدولية، المهندس كمال الجنيدي، خلال الإجتماع قائلا: “إن للبحر في هذه المنطقة دورا محوريا، فهو ليس مجرد جانب للحياة بل هو الحياة نفسها”، مشيرا إلى أن المملكة تدرك هذه الحقيقة من واقع تجربتها، وأن إزدهار الدول الكاريبية يرتبط بسلامة وأمن وإستدامة البحار، مشددا على المسؤولية المشتركة لضمان أن تبقى هذه المياه آمنة ونظيفة ومفتوحة للأجيال القادمة. وأوضح كمال أن جوهر هذا المشروع ينبع من قناعة أساسية مفادها أن الإتفاقيات الدولية مهما كانت طموحة، لا تحدث أثرا فعليا ما لم تترجم إلى قوانين وطنية قابلة للتنفيذ، مؤكدا أن مشروع “إستدامة النقل البحري الكاريبي” يمثل الجسر الذي يربط بين السياسات والتطبيق العملي، الذي يحول المعايير الدولية إلى واقع تشريعي وطني قابل للتنفيذ. وأشار إلى تأكيد وقوف المملكة إلى جانب الدول المشاركة، داعيا إلى الإنخراط بفاعلية وتحديد الأولويات الوطنية، مشددا على التطلع إلى تحقيق نتائج ملموسة تتمثل في تشريعات أقوى، ومؤسسات أكثر كفاءة، وإمتثال أعلى، بما يمكن دول الكاريبي من أداء دورها الكامل في الحوكمة البحرية العالمية. يذكر أن الدول المستفيدة من مشروع “إستدامة النقل البحري الكاريبي” هي أنتيغوا، وباربودا، وجزر البهاما، وبربادوس، وبليز، ودومينيكا، وغرينادا، وغيانا، وجامايكا، وسانت كيتس ونيفيس، وسانت لوسيا، وسانت فنسنت وجزر غرينادين، وسورينام، وترينيداد وتوباغو.



